Al Madinah
الوجهات / معركة الخندق

معركة الخندق

بين أطراف الحرتين وقعت واحدة من أعظم معارك التاريخ: غزوة الأحزاب. حين أشار سلمان الفارسي بحكمة الى حفر الخندق، فكان ميدانًا يجمع بين دهاء التخطيط وعمق الإيمان. ضرب الصحابة رضي الله عنهم الأرض بمعاولهم، تشاركوا الجهد واليقين، وتألقت القيادة النبوية في أحلك الظروف. في هذا الموضع، ارتفع الدعاء من مسجد الفتح، وسكن الخوف في كهف بني حرام، وتحوّل مسار الحفر إلى شاهدٍ على الثبات والعزيمة. عند كل زاوية من هذا المكان، يهمس التاريخ بأن النصر يولد من رحم الشدة، حين يلتقي الإيمان الصادق مع العمل المخلص.

قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا ۚ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ الأحزاب

9

.

قال الله تعالى: ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَٰذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ۚ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ الأحزاب

22

.

لمحة تاريخية:

 

غزوة الأحزاب: من الغزوات الشهيرة في تاريخ السيرة النبوية، حدثت في شوال من السنة الخامسة من الهجرة، حيث اجتمعت جيوش قريش وغطفان وكثير من القبائل الموالية لهما في عشرة آلاف مقاتل وزحفت إلى المدينة بهدف القضاء على المسلمين

فيها، حينها أشار سلمان الفارسي

t

على النبي

r

بحفر الخندق، فأعجب بالفكرة، وتوجه

r

مع كبار أصحابه وحدد المنطقة التي سيتم حفر الخندق فيها.

اختار النبي

r

المنطقة الواقعة شمال غرب المدينة المنورة مكاناً لحفر الخندق، وكانت تسمى بسافلة المدينة، وهي منطقة سبخة ليس فيها الكثير من الأشجار والبساتين، وأما بقية المناطق فهي مشبكة بالبناء والبساتين والحرار.

بدأ الصحابة بحفر الخندق في ظروف صعبة، فقد كانت السنة جدباء، والمؤن شحيحة، والفصل شتاء قارساً، والوقت اللازم لإنجاز الخندق قبل أن تصل الجموع الزاحفة إلى المدينة قصيراً.

وفي أثناء الحفر شكا الصحابة إلى رسول الله r الجوع ورفعوا عن بطونهم وقد ربط عليها كل واحد منهم حجراً، فرفع رسول الله r عن بطنه الشريف فإذا به قد ربط حجرين من شدة الجوع. وكان r يشاركهم الجوع والعمل، روى البخاري عن البراء بن عازب t قال: رأيت رسول الله r ينقل من تراب الخندق حتى وارى عني الغبار جلدة بطنه وكان كثير الشعر. وفي غمرة العمل ظهرت معجزات عدة للنبي r منها ظهور صخرة كبيرة (كدية) في مسار الحفر لم يستطع الصحابة أن يكسروها، فجاء النبي r فضربها ثلاث ضربات حتى كسرها، فكان يبشرهم مع كل ضربة بفتح فارس واليمن والشام. وخلال فترة وجيزة أنجز المسلمون حفر الخندق، الذي يمتد بين من أُجُم الشيخين شمالاً وحتى أُطُم المذاد غرباً ليسد ما بين الحرتين؛ الحرة الشرقية (حرة واقم) والحرة الغربية (حرة الوبرة). كان الخندق متعرجاً حسب طبيعة المكان الذي يمر فيه، يتراوح طوله ما بين 2 إلى 3 كم، وعرضه ما بين 4 إلى 4.5 متراً، بينما بلغ عمقه ما بين 3 إلى 4.5 متراً. وتفيد بعض الروايات التاريخية عن وجود خنادق فرعية حول بعض التجمعات السكانية القريبة من منطقة الخندق.