Al Madinah
الوجهات / قصر عروة بن الزبير

قصر عروة بن الزبير

يروي قصر عروة بن الزبير رحلة تحدٍّ وصمود في وجه عوامل الطبيعة، إذ شُيد على تلة مرتفعة تطل على ضفاف وادي العقيق في غرب المدينة المنورة.

انتشرت ظاهرة بناء القصور في المدينة المنورة في العصر الأموي وبداية العصر العباسي، وقد بني معظمها على ضفاف وادي العقيق، ويعد قصر عروة بن الزبير أشهر هذه القصور، وأكثرها ذكراً.

يقع قصر عروة على الضفة الشرقية لوادي العقيق المبارك، على الطّريق المؤدّية إلى ذي الحليفة ميقات أهل المدينة، طريق (المدينة مكة) القديم، ويبعد عن المسجد النبوي الشريف مسافة (3,5) كم من الجهة الجنوبية الغربية.

ويعد المكان الذي اختاره عروة لبناء القصر متميزاً، من حيث إشرافه على الجادة الرئيسة المؤدية إلى مكة وغيرها من الأماكن في تلك الناحية، ومن حيث خصوبة أرضه وجودتها.

وتذكر المصادر التّاريخيّة أن عروة لما بدأ بحفر أساسات القصر والآبار قيل له: إنك لست بموضع مدر، أي: أن الموقع ليس فيه الطين العِلْكُ الَّذِي لَا رَمْلَ فِيهِ، والذي يهيئ الأرض للزراعة. فقال: يأتي الله به من النقيع، فجاء سيل يحمل المدر ودخل في مزارعه فكساها، عندها قام عروة فاستصلح الأرض، وبنى القصر، وحفر الآبار.

وكان بناء القصر في بداية الأمر على شكل دائرة (جنابذ) فلما أتم بناءه بلغ الخليفة وشاية عن عروة تتهمه فأمر بهدمه ثم بعد فترة بان كذب هذه الوشاية فأعاد عروة بناء القصر بطريقة أفضل فكان قصراً منيفاً، مدرّج الشّكل، بنيت جدرانه وأساساته من الحجارة البركانية المنتشرة في الموقع؛ بوابته في الجهة الجنوبية؛ وتتوزّع وحداته المعمارية حول أفنيته الثلاثة الداخليّة؛ وقد تمّ الكشف عن أساسات معماريّة لثماني غرف موزّعة داخل القصر، بلغت أبعادها (40 في 30 م) ولمّا أتمّ بناءه على أحسن ما يكون؛ أنشد عروة فيه:

بنيناه فأحسنّا بناه              بحمد الله في خير العقيق

يراه كلّ مرتفق وسار           ومعتمر إلى البيت العتيق

واحتفر عروة ثلاثة آبار؛ أولاها؛ ممّا يلي المسجد؛ وهي: بئر السّقاية يستقي منها المارّة، وفي شمالها البئر الوسطى الّتي يسمّيها النّاس (الوسيطة)؛ والظّاهر أنّ السّيل كان يغمرها فجعل لها ابن الزّبير سوراً حجريّاً من الأحجار الضخمة؛ لايزال بعض أثره إلى اليوم، ثمّ بئر القصر وهي الثّالثة ويعلوها القصر.

وكان هذا القصر بحكم موقعه على الطريق بين مكة والمدينة بيتاً للضيافة والكرم، روي أنّ عروة كان إذا أرطب نخله يكسر حائطه (سور حديقته) فيدخل النّاس فيأكلون ويحملون، وبلغ من كرمه أنّه تصدّق بقصره وأرضه وبئره على المسلمين.